جريدة البناء حدبث الجمعة وقالت له بقلم ناصر قنديل

قالت له: هل يشعرك كابوس الكورونا بمثل ما يشعرني من ندم وحزن؟

قال لها: كيف أجيب ولم أعلم مصادر الندم وأسباب الحزن؟

قالت: الشعور بالندم على ما مضى من عمر ونحن نواجه خطر الرحيل عن الدنيا وحزن لما فاتنا أن نفعل من مصادر للفرح يوم كنا قادرين.

قال: وعلامَ الندم والحزن وها نحن معاً؟

قالت: لأننا معاً.

قال: أتندمين لأننا معاً؟

قالت: أندم، لأننا لم نكن معاً كما ينبغي وتصرفنا بدون انتباه لننال من بعضنا في كل نقاش وسجال وغاب عن بالنا أن الحياة قد تفاجئنا برحيل سريع، فما مضى من وقت بيننا كان ليكون أشد جمالاً وبهاء وفرحاً وبريقاً لو استثمرناه ليصنع واحدنا الفرح للآخر ولا شيء آخر غير الفرح، فأتذكر خلافاتنا ويصعب عليّ تذكر مواضيعها ما يعني أنها كانت أقل قيمة من أتذكرها، لكنني أتذكر كم من كلام جارح تبادلناه وكم من قسوة مارسناها، وكم من لحظات جميلة بدّدناها ومن فرص هائلة أضعناها.

قال لها: هذا لأننا بشر ولسنا مجرد آلات علماً أنني أشاركك الشعور بالتساؤل، ماذا لو كنا أشد رحمة في الحب وأقل قلقاً على شكليات طواها النسيان، وماذا سنتعلم اليوم عندما نخرج بسلام وسلامة من هذه المحنة؟

قالت: أتظننا سنعود كما كنا نستسهل الصدام والسجال والقسوة؟

قال: أخشى أنها طباع البشر فعندما نطمئن للحياة ونأمن جانبها ننسى ما تعاهدنا عليه أيام الشدة، فهل تعتقدين اننا الوحيدان اللذان يشعران بما نشعر،  ألا تتساءلين عن خوف الذين تمر عليهم الحروب أو الزلازل والكوارث وكم يفكرون بكيف تعاملوا مع آبائهم وأمهاتهم أو مع عائلاتهم يوم كانوا يعتقدون أن لا وقت لديهم لهذه الشكليات وانصرفوا للعمل وكأنه كل الحياة؟ وهل تتساءلين عن الذين يعاهدون الله في المحن من مرض وجوع وخوف أنهم لن ينسوه بعدها وأنهم سيغيرون نمط حياتهم إذا منحهم فرصة ثانية، والسؤال في كل هذا هو ماذا يحدث عندما تخرج الناس من الخوف والقلق؟

قالت: ربما يتعلمون دروساً يطبقونها في شؤون حياتهم أظهرت لهم الأزمات أنهم لم يولونها اهتماماً كافياً في الجانب المادي من الحياة كأن يحتفظوا بمدخرات أو يتهيأوا أكثر لمواجهة الأزمات لكنهم سرعان ما ينسون تعهداتهم الروحية ويعودون إلى توحّش البشر في مقاربة ما تلاعبهم به الحياة من مصادر افتتان بالمال والجاه وطلب الرفاه.

قال لها: يفرحني أننا نلتقي في القول والتفكير فهل نتعاهد على أن نخالف طباع البشر ونثبت على العهود مع أنفسنا ومع الله؟

قالت: فلنتل عهودنا.

قال: أن لا نرفع صوتنا في جدال وألا نقسو بتعبير في عتاب وألا يغيب عن بالنا أننا نصدق القول والفعل فيما بيننا وكل سوء فهم هو عابر.

قالت: موافقة.

قال: وأن يمنح واحدنا للآخر ثقته المطلقة ولو داعمته الشكوك بما لا يوحي بالثقة.

قالت: إلا هذه فالغيرة لن تبارحني ولو على حافة القبر سأسالك هل ستعرف امرأة غيري بعدي؟

قال لها ضاحكاً: تخيّلي أنني سأموت بالفيروس وتبقين بعدي وأعاهدك أنني لن أسألك عما ستفعلين بعدي.

قالت: سأموت قربك من البكاء.

قال: حسناً. إذن فالحل هو أن أموت قبلك ولذلك سأحتفظ بحبة سم قاتل في جيبي أعاهدك على شربها إن حلّ بك سوء.

قالت: أتعلم أنني أخاف مجرد تخيل رحيلك وأتمنى صادقة أن أرحل قبلك ورغم ذلك لا تفارقني الغيرة.

قال لها: تعالي نتفق على قبلة الموت.

قالت: في زمن الكورونا كل قبلة قابلة لتكون قبلة موت.

قال: أنا موافق.

قالت: أنا ألتزم توجيهات الحكومة.

ضحكا ومضيا معاً كل على جانب من رصيف تطبيقاً لتوجيهات الوقاية.

2020-03-20
عدد القراءت (12552)