جريدة البناء افلاس السلطة ... لا الوطن

افلاس السلطة ... لا الوطن

فشل لبنان في توطيد وحدته الوطنية وتطوير نظامه السياسي و حسم خياراته المصيرية. فهو مازال يعاني من ازمة وطنية حقيقية حادة تعود جذورها في الاساس الى نظامه السياسي الطائفي فضلا عن ازمة اقتصادية متفاقمة ناتجة من اختلال الهيكل الاقتصادي وتباطء النموو تفاقم مشكلتي عجز الموازنة و الدين العام و تزايد اعباء الدولة والعبء الضريبي و استشراء الفساد المالي و الاداري و تضاؤل القدرة السياسية و الاقتصادية على مواجهة تلك الازمات و غياب ارادة المساّلة و المحاسبة و الابتعاد عن الشفافية و الوضوح.

ان المال العام مهدور ومنهوب ومسروق , فقد استباحت السلطة حرمته , وخرقت في انفاقه الدستور والقانون.

لقد صرفت الحكومات المال العام بدون موازنة منذ العام 2006 وحتى العام 2017 أي مدة اثني عشر سنة . ولم يقدموا الحسابات المالية للدولة ،فمنذ العام 1993 وحتى 2003الحسابات المالية غير صحيحة , ولم يصدق ديوان المحاسبة ( بصفته المحكمة المالية الإدارية الدستورية في البلاد ) أي من هذه الحسابات .

اما الحسابات التي اعلنوا انهم انجزوها وصححوها وخاصة من عام 2004 و حتى العام 2017 فإنها لم تنشر لغاية تاريخه لنتأكد من مدى صدقيتها .

لقد بلغ الانفاق الحكومي المعلن عنه من عام 1993 وحتى عام  2018 حوالي 227 مليار $ . الا ان ما انفقته الحكومات خلال هذه الفترة بدون ترخيص من مجلس النواب , أي خلافاً للدستور ولقانون المحاسبة العمومية بلغ 121 مليار$ . ويمثل نسبة 53,3% . هذا عدا عن الانفاق من خارج الموازنات أي بواسطة سلف الخزينة المعطاة للمؤسسات والصناديق العامة وهي لا تقل عن اربعة مليارات دولار .

إن القروض ( الدين العام ) غير المجاز بلغ حوالي 36232 مليار ل.ل ما يعادل 24 مليار دولار , ويقتضي ان يضاف اليه الاقتراض لتمويل عجز الخزينة (سلف خزينة وغيرها ) .

إن الانفاق والاقتراض غير المجازين يخالفان احكام الدستور وقانون المحاسبة العمومية وتتحمل مسؤوليتهما الحكومات والوزراء مجتمعين ومنفردين وعليهم دفعها من مالهم الخاص عملاً باحكام المادة 112 من القانون المذكور .أي انها من الأموال التي يقتضي استرجاعها .

لقد اغرقت السلطة السياسية  البلاد بالدين العام الذي بلغ حتى نهاية سنة 2018 ووفقا لبيانات وزارة المالية ومصرف لبنان 86,22 مليار دولار هذا المعلن وغير المدقق , بالإضافة الى الديون المترتبة على الدولة للضمان الاجتماعي والمقدرة بحوالي ملياري دولار وللمتعهدين والمستشفيات الحكومية وغيرها الكثير الكثير , وما زالت السلطة مستمرة في سياسة الاقتراض على الرغم من بلوغ الأزمة النقدية مرحلة الانهيار .

اين ذهبت هذه الأموال ؟

  • 40 % من الانفاق الحكومي أي 97% من الدين العام ذهب فوائد الى الدائنين أي بمقدار 83,481 مليار دولار ثلثا هذا المبلغ كان ربحا للمصارف التجارية وهذا المبلغ وحده كاف لحل ازمة لبنان المالية والاقتصادية وأزمة الأربعة ملايين لبناني في السكن والاستثمار والكهرباء والمياه والصرف الصحي ومعالجة ازمة الفقر والبطالة وتدني مستوى كل الخدمات الاجتماعية بينما قدمته الطبقة الحاكمة هدية الى مالكي المصارف وهم نفر قليل جداً من اللبنانيين
  • ان تضخم كلفة فوائد الدين العام سببه الأساس السياسة النقدية المعمول بها من قبل مصرف لبنان بالإتفاق مع المصارف ووزارة المالية حيثوصلت  أسعار الفوائد الى 43 % في بعض الأحيان
  • 24 مليار دولار انفقوها لتشغيل مؤسسة كهرباء لبنان بدون انشاء أي معمل انتاج للكهرباء بالإضافة الى ما يترتب على هذه المبالغ من فوائد لا تقل عن 12 مليار دولار وبالنتيجة لا كهرباء بالبلد حتى اليوم بل مجرد قانون اقرته السلطة الحاكمة يقر صلاحيات للوزير بإعطاء امتيازات مرافق عامة خلافاً لأحكام المادة 89 من الدستور , هذا بالإضافة الى شرعنه مافيات النفط والمحروقات والمولدات في الاحياء والازقة والبلدات بحسب الطوائف والمذاهب .
  • 33% من الانفاق الحكومي وقد إرتفعت هذه النسبة الى 40% في السنتين الأخيرتين مخصص للرواتب والأجور , ولجميع الاسلاك المدنية  والقضائية والقنصلية والعسكرية , ويستفيد منها ما يزيد عن 320 الف موظف مع عائلاتهم ويشكلون ربع الشعب اللبناني , وهذه الرواتب والأجور اقل من فوائد الدين العام الذي يستفيد منه نفر من اللبنانيون لا يتجاوز الالفي شخص .

(76 بنك ) . لكن ينبغي الانتباه الى ان تضخم كتلة الرواتب والأجور لا يعود الى سلسلة الرتب والرواتب والتي بحق مجحفة بحق بعض فئات الموظفين وبعض المتقاعدين , بل هي تعود الى التوظيف العشوائي خارج نطاق القوانين والأنظمة في الإدارات العامة والمؤسسات العامة (11000 موظف بعد قرار السلسلة وقبل الانتخابات النيابة عام 2018 وبعدها ) .

- باقي الانفاق الحكومي يدفع على اللوازم والخدمات الاستهلاكية أي على الانفاق الجاري ,وعلى تحويلات الى مؤسسات عامة وخاصة لا جدوى اقتصادية منها, او على مؤسسات تدعي انها لا تبغي تحقيق الربح..... وعلى عطاءات خاصة لا إسم لها ..... وعلى دعم فوائد القروض السكنية والصناعية والزراعية يستفيد منها كبار الأغنياء وعليٌة القوم ومنها :

87 صندوق ومؤسسة وهيئة وبرنامج ومشروع داخل القطاع العام يخصص لها في الموازنة العامة مبلغ 4900 مليار ل.ل ( بما فيها مؤسسة كهرباء لبنان)

- 74  هيئة لا تتوخى الربح يخصص لها 336 مليار ل.ل

58 جهة خاصة غير مسامة يخصص لها 54 مليار ل.ل

المجموع 222 صندوق و هيئة و مؤسسة و عطاءات خاصة مخصص لها في الموازنة 5290 مليار ل.ل

من اين أتت السلطة الحاكمة بالأموال المصروفة

  • من الضرائب والرسوم ومن حاصلات أملاك الدولة حيث بلغت إيرادات الدولة عن الفترة ذاتها حوالي 150 مليار $  منها ضرائب ورسوم موزعة بين 76% ضرائب غير مباشرة أي ضرائب على الاستهلاك يتحمل عبئها الفقراء ومتوسطي الدخل  و24 % ضرائب مباشرة يتحمل عبئها الأغنياء ومتوسطي الدخل .

 

اما الرأسماليون / الأغنياء قد دفعوا ضرائب من 2003 وحتى 2018 حوالي 23 الف مليار ل.ل

في حين استفادوا من فوائددين عام بلغت حوالي 82 الف مليار ل.ل أي انهم حققوا أرباح صافية حوالي 60 الف مليار ل.ل

  • من الاستقراض حيث بلغ الدين العام لنهاية عام 2018 ما يقارب 86,22 مليار $ ويشكل حوالي 150% من الناتج الوطني .

لقد أوصلت الطبقة السياسية الحاكمة المتحالفة مع الطغمة المالية البلاد الى ازمة اقتصاديةومالية ونقدية خانقة وحادة إذ توقفت الحكومة عن دفع النفقات باستثناء الرواتب والأجور , وطبعا فوائد الدين , وارتفعت معدلات البطالة والفقر الى اقصى حدودها حوالي 30% وازداد عجز الموازنة , وازدادت معدلات الضرائب , بالإضافة الى ذلك تعاني البلاد من ازمة سياسية حادة إذ استبعدت القوى الحاكمة معارضيها السياسيين حيث استطاعت  بقانونها الانتخابي النسبي الطائفي استبعاد كل القوى السياسية صاحبة المصلحة في التغيير .

وحاولت السلطة الحاكمة الخروج من الازمة على طريقة دوائي بالتي هي الداء أي استدامة الدين العام, عن طريق المزيد من الاقتراض من مانحي مؤتمرceder او باريس 4 , وعبر تقديم بعض ما يسمونه إصلاحات في المالية العامة استجابة لمتطلبات مؤتمر سيدر فعمدوا الى خفض عجز الموازنة عبر تدابير بدائية وشكلية ولا تمس جوهر المشكلة , وحاولوا ايهام الرأي العام بجديتهم في الإصلاح محاولين فرض أعباء جديدة على المواطنين .والى الاتفاق على ورقة إصلاحية أساسها بيع أملاك الدولة فيما يسمونه الشراكة بين القطاعين العام والخاص .

وخلافا للدستور الذي نص على ان الملكية هي في حمى القانون , أقدمت المصارف وبرضى السلطتين المالية والسياسية على مصادرة أموال المودعين فيما يسمى " capital control  " وفرضت قيودا على عمليات سحب الأموال وتحويلها سواء بالليرة او بالدولار وانهارسعر صرف الليرة اللبنانية ليصل الان الى 2000 ل.ل لكل دولار واحد.

كل ذلك أدى الى انفجار الأزمة الاقتصادية والمالية والنقدية في البلاد ونزل مئات الألاف من المواطنين إلى الشارع في احتجاجات غير مسبوقة شملت جميع المناطق، منددة بالطائفية والمحاصصة والاستهتار بحقوق المواطنين في الخدمات العامة كافة ورافضة للسياسات الخاطئة التي أوصلت البلد الى الإفلاس والانهيار.

ان البلاد ليست في حالة افلاس، فالمصارف ومصرف لبنان، ممتلئة خزائنهم باموال المودعين من لبنانين وغيرهم والتي تفوق ال172 مليار$ بالإضافة الى راس مال المصارفالذي يتجاوز ال23 مليار دولار وموجودات مصرف لبنان من الذهب والعملات الأجنبية.

بينما الذي أفلس هي السلطة السياسية وسياساتها الاقتصادية والمالية والنقدية والاجتماعية.

وبناء على ما تقدم ومساهمة في حل الأزمة الخطيرة الراهنة التي تهدٍد سلامة واستقرار البلاد، في ظروف إقليمية ودولية خطرة نضع هذه العناوين الإصلاحية لتكون اساساً صالحاً للخروج من الازمة.

أولاً: تشكيل حكومة انقاذ اقتصادي، من ذوي الاختصاص والكفاءة والنزاهة،

ثانيا: إقالة حاكم مصرف لبنان وتعيين حاكم جديد ونواب الحاكم                                          

ثالثا: وقف دفع فوائد الدين العام فورا وتجميدها لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات بما يوفر على خزينة الدولة ما لا يقل عن عشرين مليار دولار.

رابعا: وضع الحجز الاحتياطي والتجميد الاحترازي المؤقت على الأموال المنقولة وغير المنقولة وعلى الحسابات المصرفية العائدة للمسؤولين في الدولة والسياسيين والموظفين الكبار وكل من يتعاطى الشأن العام وعائلاتهم ولمتعهدي ومقاولي الصفقات العموميةومديري المرافق العامة من متعهدين وغيرهم وعائلاتهم، ورفع السرية المصرفية وكافة الحصانات عنهم ومنعهم من التصرف بالأموال المذكورة، واسترداد ومصادرة كافة الأموال التي يثبت قضائياً أنّها مسروقة أو منهوبة أو مكتسبة بدون مسوغٍ شرعيٍّ.

خامسا: تنفيذ الإصلاحات الاتية:

  1. وضع موازنة عامة للدولة خالية من الضرائب وفوائد الدين العام، وتخصيص الوفر لإنشاء البنى التحتية وخاصة

الكهرباء والمياه والبيئة وغيرها.

  1. خفض معدلات الفوائد تدريجيا حتى تصل الى ما بين 1 و3 %, وذلك بغاية تشجيع الاستثمار في الاقتصاد المنتج والانتقال من الدولرة في الاقتصاد الى اللبننة " من الدولار الى الليرة "
  2. إلزام المصارف باقتطاع جزء من الفوائد على الدين العام التي قبضتها حتى تاريخه وتخصيصها للأنفاق الاجتماعي: التعليم الرسمي، الصحة، الضمان الإجتماعي، ضمان الشيخوخة، بطاقة صحية، السكن، وغيرها...
  3. وضع قانون للسلطة القضائية يؤمن استقلال القضاء ويوفر الحق الأساسي بالحماية القانونية.
  4. وضع قانون انتخابي جديد على أساس النسبية ولبنان دائرة انتخابية واحدة وخارج القيد الطائفي وإنشاء مجلس الشيوخ تطبيقا لأحكام المادة 22 من الدستور.
  5. إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد استنادا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وإحالة جميع ملفات الفساد عليها، وتطبيق أحكام قانون مكافحة تبييض الأموال فورا، واستعادة الأموال المنهوبة.
  6. تطبيق الحوكمة الشاملة في الإدارة العامة والمؤسسات العامة وإلغاء ودمج معظم المؤسسات والهيئات العامة وتفعيل أجهزة الرقابة والقضاء وتعزيز استقلالها عن السلطة السياسية وإعادة هيكلياتها وتوصيف وظائفها.
  7. وضع نظام ضريبي جديد وعادل على أساس الضريبة العامة التصاعدية على الدخل كأداةٍ متطورة لتحفيز الإقتصاد المنتج وتوزيع الدخل والثروة بصورة عادلة.
  8. مكافحة الاحتكار وتعزيز المنافسة وإلغاء الوكالات الحصرية وحصر استيراد المحروقات والدواء والقمح بالدولة.
  9. عدم خصخصة أي مرفق عام، وتطبيق القانون رقم 462 تاريخ 2/9/2002 المتعلق بتنظيم قطاع الكهرباء – والقانون 431 تاريخ 22/7/2002 المتعلق بالاتصالات وانشاء الشركات المساهمة في القطاعين، على ان تطرح الأسهم للاكتتاب العام امام كافة اللبنانيين فقط، وان لا تتجاوز نسبة الملكية للأسرة الواحدة  0,5 %  من الأسهم وعلى ان تبقى الدولة مالكة الحصة الوازنة والاكبر.
  10. إنشاء وزارة التخطيط.                                             
2019-12-02
عدد القراءت (185)