حوارات توب نيوز الحسن لـ«توب نيوز» و «البناء»: الحرب على سورية ستنتهي بتسوية وما طرحه دي ميستورا باستيعاب من يرغب من المسلحين في الجيش يطرح إشكالية

حاوره سعد الله الخليل

يقرأ الباحث في الشؤون الاستراتيجية في مركز دمشق للأبحاث والدراسات الدكتور تركي الحسن استعادة الجيش السوري لمدينة تدمر وإعادة الأمن والأمان إليها من الناحية الاستراتيجية في الزمان والمكان بمدلولات مختلفة كونها مدينة أثرية يهتم العالم كله بمصيرها كجزء من التراث العالمي وحاضنة للتراث السوري منذ آلاف السنين.

ويقول الحسن في حوار مشترك بين صحيفة «البناء» وشبكة «توب نيوز»: «عندما سقطت تدمر في يد الإرهاب حصدت حزناً كبيراً لما تبع ذلك من إعدام للتاريخ، خصوصاً جريمة إعدام العالم الأثري خالد الأسعد الذي رفض الخروج من مدينته تدمر التي كرّس عمره لإحياء تراثها، بالإضافة إلى منظر العبث والتدمير المحزن، لذلك عندما تتحرّر تدمر تولد نفحة عاطفية ونفحة إنسانية تجاه هذا الإرث الحضاري التاريخي».

ويضيف الحسن: «النقطة الثانية أنّ موقع تدمر يمتاز بأهمية خاصة كمركز البادية السورية وتحريرها يعني إعادة الروح إلى البادية، كمركز تجاري واقتصادي وإنساني مهم لسكان محيط تدمر».

ويلفت إلى «أهمية موقع تدمر في ضمان التواصل الجغرافي بين المحافظات السورية»، لافتاً إلى «أنّ ما تداوله الإعلام عن منطقة المثلث يعني تقاطع الطرق باتجاه تدمر عبر طريق حمص ـ تدمر، والطريق القادم إلى تدمر من دمشق، والطريق القادم من دير الزور، من هنا أهمية تدمر بالنسبة إلى الحركة الاقتصادية وبالنسبة إلى حركة القوات المسلحة لأنها ستقطع أوصال الإرهاب وتشلّ حركته من كلّ الاتجاهات بدءاً من تدمر».

تدمر والقريتين وما بعدهما

ويتابع الحسن: «أما النقطة الثالثة من حيث أهمية تحرير تدمر، فهي تكمن في تسهيل المهمّة أمام القوات المسلحة السورية لتحرير مدينة القريتين، التي باتت محاصرة من قبل القوات من ثلاث جهات، بعد سيطرة القوات على منطقة تلال الطحين ومنطقة المحسة ومن جهة صدد ومهين والحدث، ومن الجهة الثالثة من مدينة تدمر. وبالتالي فإنّ تنظيم داعش لن يستطيع إمداد عناصره في القريتين إلا بقدر ضئيل جداً من الجهة الشرقية عبر ممرّات ترابية ضيقة سيستهدفها الطيران الحربي بشكلٍ أكيد».

وعن خيارات الجيش حسم تدمر قبل القريتين، يقول الحسن: «من حيث الأهمية الاستراتيجية القريتين لا تأثير لها على أي معركة ويمكن عزلها وتركها ومتابعة مواجهة الإرهاب في معارك أخرى، والجيش سيحسم مدينة القريتين حتى لا تبقى خنجراً في الخاصرة الشرقية ولإنهاء كلّ المساحات الشاسعة من البادية السورية، وإنهاء بعض الجيوب الصغيرة وإتاحة الإمكانية للتقدم نحو الحدود الدولية السورية ـ العراقية، فهي مهمّة سهلة كونه لا توجد حواضن للإرهاب ولا تجمعات بشرية أو أي معوقات تمنع سلاح الجو والمدفعية والصواريخ من استهداف المواقع الإرهابية المتحصِّنة».

وعن خيارات الجيش بعد تدمر، يشير الحسن إلى أنّ «الاتجاه الشمالي ـ الشرقي نحو محافظة دير الزور لا يعيقه سوى منطقة السخنة التي تتبع أصلاً لمدينة تدمر، وهي أقلّ منها مساحة وسكاناً، وبما أنّ الدولة السورية تولي اهتماماً لأهالي دير الزور الذين يعانون منذ ثلاث سنوات من حصار الإرهاب ونقص الإمدادات، سيكون الخيار باتجاه السخنة فالدير»، لافتاً إلى «إمكانية انعطاف القوات سواء من دير الزور أو السخنة إلى محافظة الرقة من محور دير الزور ـ الرقة، ومن السخنة باتجاه الرقة ومن تدمر أيضاً ومن طريق إثريا باتجاه الرقة، فهي محاور تسهل معركة الرقة وتسحب مجاميع كبيرة من الإرهابيين إلى الرقة التي تصبح معزولة بعد تمكن القوات من محاصرتها، خصوصاً أنّ العمل يجري على الساحتين السورية والعراقية معاً، فالعدو واحد والهدف واحد ويجب الانتقال من التنسيق إلى المشاركة العسكرية المباشرة».

الأمن والاقتصاد

ويلفت الحسن إلى الجانب الاقتصادي للمعركة «والذي يجب عدم إغفاله في المرحلة المقبلة عبر استعادة حقول آراك والتيم وما تتضمنه من أهداف اقتصادية هامة ترفد الوضع الاقتصادي المتردّي في سورية والذي انعكس في غلاء المعيشة وسعر الصرف العالي الذي رمى بأعباء جمة على كاهل المواطن السوري».

قرار روسي فاعل

ويرى الحسن أنّ «إنجاز تدمر أوضح مفاعيل القرار الروسي ـ السوري وأزال ما خلّفه من لحظات صعبة على السوريين، فالمعارضة احتفلت به على أنه خسارة لروسيا في سورية وتقهقر للدور الروسي، لكنّ القرار كان صائباً وقد سبقه قرار وقف العمليات العدائية أيضاً الذي لم تكن له شعبية في البداية لتتبيّن صحته فيما بعد وتأثيره على الداخل السوري».

ويلفت إلى «أنّ القرار الروسي قد صوّره الإعلام على أنه قرار سحب للقوات، لكنه قرار تخفيض وهناك فرق بينهما، وهو الإعلام نفسه الذي صوّر القرار على أنه تخلٍّ عن دعم الرئيس الأسد وهو في مضمونه دعم للدولة السورية ومتخذ بالاتفاق بين الرئيس بشار الأسد ونظيره الروسي فلاديمير بوتين وعلى أساسه اتفق الرئيسان الروسي والأميركي باراك أوباما، ما أعطى دفعاً للمباحثات في جنيف».

ويتابع: «تمّ سحب بعض الطيران الحربي مقابل تعزيز سلاح الحوامات، فالدور الروسي لم ينكفئ عن محاربة الإرهاب وتبيّن ذلك في معركة تدمر بمشاركة 128 طائرة مقاتلة، بالإضافة إلى الطيران المروحي والاستطلاعي الذي وصل إلى 70 طائرة استطلاع، وهذا يؤكد بقاء الدور الروسي الذي ساهم بشكل فعال في محاربة الإرهاب».

إيجابيات قرار وقف العمليات القتالية

ويرى الحسن أنّ «ميزة قرار وقف العمليات القتالية المضي في مواجهة الإرهاب من دون كشف الظهر للقوات والتخفيف من المعارك وهذا جيد، وأمّن تفرُّغ الجيش لمعارك أهم بدل أن يكون مشغولاً على كلّ الجغرافيا، وساعد على حسم أرياف مثل الشمال الساحلي نحو الحدود التركية ـ السورية التي تتجه نحو الحسم الكامل».

ويضيف: «ومن إيجابيات القرار أنه أتاح لبعض المجموعات التقاط أنفاسها والتفكير بوجهة نظرها والتعهُّد بالانتقال إلى العمل السياسي، وقد وصل عددها إلى 43 تنظيماً إرهابياً، وفي أهمية هذا القرار أيضاً أنه أزال العقبات الواردة في القرار 2254 والتي أعاقت دي ميستورا والمتمثلة بمسألتين هامتين أولهما تحديد المنظمات الإرهابية والذي شهد شدّ حبال ما بين الولايات المتحدة وحلفائها بحماية إرهابييها من أحرار الشام وجيش الإسلام، مقابل إصرار الحلف المقابل على تصنيفهما مع المنظمات الإرهابية، والمسألة الأخرى تحديد الوفد المفاوض والذي كان محصوراً بـ«معارضة الرياض» ليتوسّع إلى معارضات أخرى مثل القاهرة وموسكو والتي تتواجد الآن في المفاوضات». ويشدّد الحسن على «أنّ تحديد المنظمات الإرهابية سيصبح أسهل في ظلّ وقف العمليات القتالية، لأنّ الميدان هو المصنف الرئيسي، فكما سُحب البساط من تحديد الوفد المفاوض من الرياض سُحبت المهمّة من الأردن بتصنيف المنظمات الإرهابية وبات الميدان من يصنف، وهو ما سيؤدي إلى تشظي هذه المجموعات كما شهدنا حدوث انشقاق عن تنظيم داعش في الرقة منذ أسبوعين، وسنشهد انشقاقاً في المنظّمات التي تصنف نفسها معتدلة للذهاب إلى النصرة وداعش وهذا ما حصل في معرشمارين حين أعلن أحد قياديي أحرار الشام عدم الالتزام بالقرار إلا بشموله تنظيم النصرة، وهذا بدوره سيؤدي إلى تفاعلات داخلية داخل هذه التنظيمات وانشقاق بعضها وتشرذم بعضها الآخر وهذا من إنجازات هذا القرار».

ويؤكد أنّ «القرار الروسي هو دفع للعملية السياسية في سورية وتهيئة الظروف للانتقال إلى العملية السياسية».

وحول الخروقات التي يشهدها القرار، يعتبر الحسن أنّ «الخروقات تعود لأفراد ولا يتبنى أي تنظيم مسؤوليتها لغياب قرار كبير من التنظيمات لخرق الهدنة، فالجيش السوري وحلفاؤه يتبعون قرار القائد العام للجيش، لكنّ الطرف الإرهابي يشهد حالة عدم انسجام في القرارات، فالخروقات لا تشكل كماً كبيراً ويمكن تحمُّلها حتى لا تعطي سبباً كبيراً لانهيار الهدنة».

من تدمر إلى جنيف

وحول انعكاس التطورات الميدانية في السياسة، يرى الحسن أنّ تطورات تدمر «ستكون مؤثرة سياسياً في مرحلة ما بين جولتين من جنيف3، حيث سيذهب وفد الجمهورية العربية السورية مزوداً بقضيتين: الإجابة على أسئلة الموفد الأممي دي ميستورا، وإنجاز تدمر الذي سيكون على طاولة المفاوضات، وهو ما يرسخ مقولة أنّ الميدان السوري هو الذي سيغير التطورات السياسية».

وعن الآمال المعقودة من مباحثات جنيف، يقول: «مقارنة بالجولات الفاشلة السابقة حصل الوفود على أوراق عمل رغم عدم حصول مفاوضات مباشرة إلا عن طريق الموفد الأممي الذي يبحث عن مشتركات وقواسم في المبادئ العامة لأنّ التفاصيل تنسف المفاوضات، لذلك ما يجري هو تجميع للرؤى حالياً».

وأوضح الحسن أنّ «الإنجازات الحالية للجيش السوري وحلفائه وما سيتبعها من إنجازات متلاحقة، ستشكل متغيراً لقواعد طاولات المفاوضات، فتعريف الحرب في تفسير الجنرال كلاوزفيتز وهو من مؤسسي قانون الحرب يقول إنّ الحرب هي «عمل سياسي تنفذه القوات المسلحة»، وبالتالي «الميدان يدير السياسة».

وختم الباحث الاستراتيجي الدكتور تركي الحسن الحوار مؤكداً «أنّ الحرب ستنتهي بتسوية، وما طرحه الموفد الأممي باستيعاب من يرغب من المسلحين في الجيش، يطرح إشكالية، فلا يمكن استيعاب الإرهابيين ومن سيتم استيعابهم عدد قليل جداً فهذا أمر يحتاج الى تنظيم وإعادة صياغة من جديد».

يُبثّ الحوار كاملاً عند الخامسة من مساء اليوم على قناة «توب نيوز» على اليوتيوب عبر الرابط:

https://www.youtube.com/watch?v=hFeke5rGLew

2016-03-30
عدد القراءت (12196)