مانشيت البناء تصعيد بريطاني بوجه طهران ومساعٍ فرنسية للتهدئة... وروسيا لا ترى مخالفات إيرانية بري في السياسة وإبراهيم في الأمن لجسور ثقة بين «الاشتراكي» و«الديمقراطي»

كتب المحرّر السياسيّ

بالتزامن مع تحريك مساعي التفاهمات الروسية التركية الإيرانية التي ستتوَّج في قمة الشهر المقبل لرؤساء الدول الثلاث التي تستضيفها أنقرة، ينشط المبعوث الأممي غير بيدرسون لتذليل العقبات أمام ولادة اللجنة الدستورية التي باتت ولادتها مفتاح تقدم الحل السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة وترسم إطاره المساعي الروسية، لكن بقيت الأولوية في المشهدين الإقليمي والدولي لما يشهده المسار الإيراني الأوروبي قبل انتهاء المهلة التي حددتها إيران لإعلان خروجها من الاتفاق النووي والعودة إلى تفعيل برنامجها النووي على مستويات مختلفة منها التخصيب المرتفع لليورانيوم ومنها إعادة تشغيل معمل آراك للمياه الثقيلة، بينما توزّعت التعاملات الأوروبية بين صمت ألماني هادئ يراهن على التوصل لتفاهم يعيد الآلية الأوروبية المالية للتبادل التجاري والمالي مع إيران إلى الواجهة مع تعديلات على مضامينها الساعية بصورة تقرّب المسافة مع إيران، ذهب الرئيس الفرنسي إلى الإعلان عن وضع الآلية قيد العمل بشراء كميات من النفط الإيراني قبل الأحد، آملاً أن تثبت إيران حكمتها بالبقاء ضمن إطار الاتفاق، وبالمقابل كانت بريطانيا توقف ناقلة نفط إيرانية في مضيق جبل طارق كانت متجهة إلى سورية.

التتمة ص8

طهران لم تصغ للأصوات التي تتحدّث عن أنها لن تحقق أي مكاسب من الخروج من الاتفاق وهي تعتبر بقاءها دون مكاسب بل بتقديم مكاسب مجانية للخائفين من خروجها من الاتفاق، القائم أصلاً على موجبات متبادلة على أطرافه وتنظر لواشنطن كمدير لعبة يشترك فيها الأوروبيون بشدّ إيران من ثوبها للبقاء في الاتفاق تلبية لرغبة واشنطن لكن دون تحقيق مكاسب، ولذلك تعتبر طهران أن قرارها بالخروج من الاتفاق إن لم يحمل لها مكاسب فهو يجعل التساوي بالخسائر بديلاً للهدف الذي أريد من الاتفاق ولم يتحقق وهو التساوي بالمكاسب.

بانتظار الأحد كانت موسكو تستبق التطوّرات وتعتبر أن إيران لم تخالف القانون الدولي، طالما أنها تعمل تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكل ما تقول إيران إنها ستفعله من خارج الاتفاق لا يشكل دليلاً على خرقها اتفاقية حظر استخدام الأسلحة النووية طالما أن رقابة الوكالة الدولية قائمة، ووفقاً لما يوضحه الخبراء إنتاج الماء الثقيل وتخصيب اليورانيوم على نسب عالية ومثلها تخزين اليورانيوم هي حقوق إيرانية قانونية طالما تتم تحت الرقابة الأممية لكن إيران تنازلت عنها بموجب الاتفاق الذي ضمن لها مكاسب اقتصادية، وبخروج أميركا من الاتفاق وهي ركن أساسي فيه بقيت إيران لسنة ونيف أملاً بأن يتمكن الشركاء الآخرون من تحقيق هذه المكاسب لها. وعندما أخفقوا فإن عودة إيران لممارسة حقوقها القانونية تختلف عن السعي لامتلاك سلاح نووي لا يزال بنظر إيران محرماً.

لبنانياً، محوران تتركز عليهما التطورات المحلية، الأول هو المساعي الهادئة التي يقوم بها رئيس مجلس النواب نبيه بري والمدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، لتجسير الهوة سياسياً وأمنياً بين نظرة ومطالب كل من النائب السابق وليد جنبلاط والنائب طلال أرسلان وحزبيهما، في ظل انعدام الثقة بينهما، وبمنح الأولوية للإنجازات الأمنية في ملف التوقيفات المرتبطة بحادثة قبرشمون، ومتابعته من اللواء إبراهيم فتح الرئيس بري الباب لسماع طلب الضمانات السياسية لكل من الطرفين ساعياً لبناء جسور ثقة تتيح التقدم نحو ما هو أهم وهو العودة لانعقاد مجلس الوزراء، الذي تعطل عند نقطة متصلة بما جرى في قبرشمون، حيث يلعب رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل وطبيعة علاقته برئيس الحكومة سعد الحريري دوراً محورياً في رسم مستقبل التسوية الرئاسية ومصير الحكومة واجتماعاتها، وفي هذا الشأن قالت مصادر متابعة إن العلاقة بين باسيل والحريري افتقدت لكثير من الحرارة مع ظهور نيات تموضع جديد للحريري في صف سياسي يضمّ جنبلاط والقوات اللبنانية عنوانه تحميل خطاب باسيل مسؤولية التوترات، والتغاضي عن مشاكل حقيقية في الجبل تتمثل بالتمسك الجنبلاطي بنيل حصة رئيسية من التعيينات المسيحية والسنية كان باسيل والحريري قد اتفقا على التنسيق والتعاون للوقوف بوجهها. وكانت حملة جنبلاط على الحريري بسبب ذلك قبل أزمة حادثة قبرشمون، وباسيل يريد قبل أن يحدد كيفية التعامل مع الملف الحكومي والتحقق مما جرى بين الحريري وجنبلاط من خلال كيفية تعامل الفريق الذي يمثل الحريري خلال زيارة باسيل إلى طرابلس ما لم يطرأ ما يستدعي تأجيلها.

شروط جنبلاطيّة لتسليم المتورطين

تواصلت المساعي الحميدة على أكثر من خط لتطويق أحداث الجبل، فبالتوازي مع الجهود السياسية التي يبذلها رئيس المجلس النيابي نبيه بري، تابع المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم ترتيب الشق الأمني وزار أمس الدار الأرسلانية في خلدة والتقى رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني النائب طلال أرسلان.

ورغم وجود عراقيل وتبادل شروط بين أرسلان ورئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط لتسليم المطلوبين، إلا أن إشارات انفراج لاحت مع اعلان الحزب «الديمقراطي» عن تشييع الشهيدين ودفنهما ظهر غدٍ، لا سيما أن الحزب كان ربط دفن الشهداء بتسليم المطلوبين.

وأعلنت مديرية الإعلام في «الديمقراطي» أن أرسلان «ونزولاً عند رغبة الهيئة الروحية العليا لطائفة الموحدين الدروز والمشايخ العقلاء واحتراماً للقيم والعادات التوحيدية الشريفة، قد توافق مع عائلتي الشهيدين عضو الهيئة التنفيذية في الحزب رامي أكرم سلمان والكادر الحزبي سامر نديم أبي فراج على تعيين موعد تشييعهما بمأتمين حزبيين وشعبيين في مسقط رأسيهما»، وأضافت «هذه الخطوة لن تثنينا عن المطالبة والإصرار على تسليم جميع المطلوبين والمتورطين والمحرضين إلى الأجهزة الأمنية والقضائية المختصة».

وبعد اللقاء قال أرسلان: «الأمور تسير بالمسار الذي يعمل عليه اللواء إبراهيم بكلّ شفافية وصدقية ولا يختلقنّ أحد روايات غير واقعية، وهو يعمل لأمن الجبل»، مضيفاً «الحديث عن أن إحالة حادثة قبرشمون إلى المجلس العدلي ستفجّر الحكومة مرفوض لأنه يمس بهيبة الدولة». أما إبراهيم، فقال «وليد جنبلاط قال بالأمس كلمة أساسية وهي أنّه تحت القانون والأمور تسير في الاتجاه الصحيح ولن ادخل في مسألة أعداد الموقوفين، والمجلس العدلي ليس عندي فكل ما يتعلق في السياسة يبقى في السياسة».

وفي المقابل تشير مصادر الاشتراكي الى أن «جنبلاط ملتزم بوعده للواء إبراهيم بتسليم المتورطين، لكنه يربط ذلك بأن يسلم الديمقراطيون الذين أطلقوا النار في الهواء وكانوا في عداد الموكب الأمني للوزير الغريب، وبعدم إحالة الجريمة الى المجلس العدلي، ولذلك طلب جنبلاط من إبراهيم استمهاله بعض الوقت لتسليم دفعة من المطلوبين ريثما يسلّم أرسلان عناصره المتورّطين، الأمر الذي يرفضه أرسلان بحسب مصادر «البناء» ويعتبر أن موكب الغريب هو من تعرّض للاعتداء وإطلاق النار وللاغتيال أما عناصر الموكب فكانت تقوم بعملها بحماية الموكب وفتح الطريق». وجدّدت مصادر الاشتراكي تحميل باسيل مسؤولية ما حصل. بدورها أكدت أوساط «التيار الوطني الحر » أن «جنبلاط منزعج ولا يقبل فكرة وجود تيار متنوّع يتمتد على كافة الأراضي وفي كافة الطوائف »، مشيرةً الى أن «للتيار في الجبل 4 نواب فازوا بإرادة الناس، ولن نقبل أن تنكسر هذه الإرادة». وشددت على «ان التيار تحت سقف الحياة المشتركة، وننصح جنبلاط أن يعتاد على وجود التيار في الجبل».

الحريري سيمنع التصويت

ووسط إصرار أرسلان والغريب مدعوماً من حزب الله وتكتل لبنان القوي لإحالة القضية الى المجلس العدلي لم يصدر موقف واضح من الرئيس بري بهذا الأمر ولا من تيار المردة، أشارت مصادر مستقبلية لـ»البناء» الى أن «الحريري لا يعتبر أن الجريمة محاولة اغتيال لوزير بل مجرد حادثة اطلاق نار متبادل أدّى الى سقوط ضحايا، وبالتالي لن يسمح الحريري بإحالتها الى المجلس العدلي وفي الأصل الأغلبية الوزارية غير مؤمنة»، لكنها لفتت الى أن «الحريري لن يعرض القضية على التصويت في مجلس الوزراء لأن الأمر يحتاج الى معالجة سياسية وبالتالي لكي يمنع رئيس الحكومة إحالتها لديه خياران: إما لا يدعو الى جلسة وإذا ما أصرّ تكتل لبنان القوي على عرضها على التصويت، فإما ينسحب من الجلسة فينفرط عقدها وإما ينسحب وزراء المستقبل والقوات والاشتراكي من الجلسة فيفقدوا نصاب الانعقاد»، لكن المصادر أشارت الى أن «لا المستقبل ولا التيار الوطني الحر ولا الاشتراكي لديهم مصلحة بتطيير الحكومة».

لا جلسة للحكومة

ولم تحدّد دوائر السراي الحكومية حتى الساعة أي موعد لجلسة لمجلس الوزراء ما يعني بأن الجلسة مؤجلة للأسبوع المقبل بانتظار التشاور بين رئيسي الحكومة والجمهورية ومرهون بتقدم المسار الأمني والقضائي والمسار السياسي بتنازل أحد الأطراف بموضوع الإحالة على المجلس العدلي».

وعقد اجتماع أمس، في وزارة المالية ضمّ حسن خليل ورئيس لجنة المال إبراهيم كنعان وفريق وزارة المال لمراجعة المواد المعلّقة في مشروع موازنة 2019.

لقاء عين التينة

الى ذلك بقي لقاء عين التينة أمس، محل رصد سياسي وإعلامي، وسط تكتم حول تفاصيله، إلا أن أوساط الاشتراكي أكدت أننا أمام مرحلة جديدة في العلاقة مع المستقبل، أما مصادر المستقبل فلفتت لـ»البناء» الى أن «العلاقة مع الاشتراكي تمر بهبات باردة وهبات ساخنة وع القطعة، لكنها الآن مستقرة بجهود بري»، أما مصادر عين التينة فأشارت الى أنّ «المبدأ الاساسي الذي اتفق عليه في عين التينة هو الاستقرار الأمني والاقتصادي الذي يتطلب عودة خطوتين الى الوراء». ولفتت الى أن «المجتمعين شددوا على ضرورة استمرار عمل الحكومة مهما كانت الخلافات السياسية ولا يمكن تعطيل الملفات والاستحقاقات الداهمة في ظل الاوضاع الاقتصادية والمالية الصعبة والظروف الساخنة في المنطقة»، مشدّدة على أن «جهود بري تدور على أكثر من محور وهو على مسافة واحدة من الجميع».

المستقبل: باسيل غير مرحَّب به

في غضون ذلك، وإذ لم تهدأ عاصفة حادثة قبرشمون يستعد وزير الخارجية جبران باسيل لزيارة الى الشمال يبدأها من طرابلس، وسط اعتراضات شعبية ومن بعض القوى السياسية، وأشارت مصادر في تيار المستقبل لـ»البناء» الى «احتقان لدى أهالي طرابلس واعتراضات على زيارة باسيل إلى المدينة، لكنها أوضحت أنّ القوى الأمنية لن تسمح بحصول حوادث أمنية أو تكرار لما حصل في الجبل. ودعت باسيل الى أن يتنبه لخطابه السياسي لكي لا يستدرج أي ردود فعل غاضبة، ولفتت الى أن «تيار المستقبل في الشمال لم يتلق أي تعليمات من قيادة التيار ولا من الرئيس سعد الحريري بتنظيم استقبالات لباسيل، لكن لن نقطع طريقه كما ولا نمسك بكل المدينة ولسنا مسؤولين عن أي ردات فعل»، مشددة على «أن على باسيل قبل أن يأتي الى المدينة تحسين صورته أمام الطرابلسيين وتقديم الاعتذار عن خطاباته المذهبية وحديثه عن حقوق المسيحيين».

وتأتي زيارة باسيل قبل تسريب محضر السجال في مجلس الدفاع الأعلى بينه وبين وزيرة الداخلية ريا الحسن مترافقة مع احتقان على مواقع التواصل الاجتماعي ضد باسيل، الأمر الذي رفضته الحسن معتبرة أن هذا الكلام لا يمثلها ولا يمثل المستقبل ولا المدينة، ولاحقاً أعلنت الحسن في تصريح لها على مواقع التواصل الاجتماعي ان «محبتكم ودعمكم لي ليس بحاجة لإظهارهما باليافطات. اتمنى إنزالها وشكرا سلفا على تلبية طلبي».

إلا أن رئيس « تيار الكرامة » النائب فيصل كرامي أعلن ترحيبه بالزيارة، وقال في تصريح أمس، «إذا كان هناك خيارات سياسية تختلف مع وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل ، فسبل التعبير الديمقراطي متاحة شرط البقاء تحت سقف القانون»، مشيرًا إلى أن « طرابلس ليست مقفلة أمام أي فريق سياسي لبناني وليس لديها بوابات أو مفاتيح. هي مفتوحة أمام الجميع خصوصًا التيار الوطني الحر الذي يملك مكاتب مفتوحة ونشاطاً سياسياً في طرابلس». وأضاف كرامي، «ليست المرة الأولى التي يزور فيها الوزير باسيل طرابلس، فهو زارها خلال إفطار رمضاني. فما الذي تغير منذ ذلك التاريخ حتى اليوم؟ وهل ما كان يصحّ حينها لا يصح اليوم؟».

أما الرئيس نجيب ميقاتي فنقل عنه مستشاره السابق خلدون الشريف ، دعوته الى «تخفيض التوتر وسحب فتيله من الناس الى السياسة»، مشيرًا إلى أن «ميقاتي أبدى ملاحظاته على الأداء الاستفزازي لباسيل». ونقل عن ميقاتي قوله: «اللي مش عاجبو أداء باسيل ما يستقبلو». بدوره الوزير السابق اللواء أشرف ريفي نصح باسيل بتأجيل الزيارة بهذا التوقيت وبتغيير خطابه الاستفزازي.

2019-07-05
عدد القراءت (249)