نقاط على الحروف أوروبا والخيارات الصعبة

ناصر قنديل

– يعرف الأوروبيون ويعترفون بأن أولويات أمنهم القومي تغيّرت كثيراً خلال العقد الأخير، وأن هذه الأولويات الضاغطة لم تعد تحتمل ترف المواقف «الثورية» وفقاً لوصفات هنري برنار ليفي مع بدايات الربيع العربي، ولا اختبارات تهجين مواليد الأخوان المسلمين ومتفرّعات القاعدة على قاعدة مقايضة تسلّم السلطة في بلدانهم بالامتناع عن التوجه نحو أمن أوروبا، فقد انتهت الاختبارات والنتائج صارخة الوضوح، الإرهاب يضرب في أوروبا بقوة، والنازحون مشكلة اقتصادية سكانية أمنية، وأي انفجار في حوض المتوسط تحدثه معركة أميركية إيرانية أو ينتج عن انسداد الطرق أمام المسارات السياسية في القضية الفلسطينية بسبب تصعيد أميركي «إسرائيلي»، سيعني جعل أوروبا أول المتأثرين بالحريق الذي قد يخرج عن السيطرة.

– يعرف الأوروبيون ويعترفون بأن التباين بين وضعيتهم الملاصقة لدول المتوسط، والوضعية الأميركية القابعة خلف المحيطات والمحصّنة بقدرات من نوع العقوبات المصرفية التي يخشاها كل العالم بما فيه أوروبا، ينتج أولويات مختلفة وسياسات مختلفة. وهم يعرفون ويعترفون أنهم يجدون أنفسهم شيئاً فشيئاً أقرب لدعم مشاريع استقرار الأوضاع في دول الأزمات كسورية والعراق واليمن وليبيا عبر تسويات تضمن وقف القتال والنزوح وتوقف تدفق الإرهاب إلى أوروبا، بعيداً عن الشروط الأميركية، كما يجدون أنفسهم متمسكين بالتفاهم النووي مع إيران، ومتعارضين مع الخطوات الأميركية الأخيرة حول القدس.

– يستطيع الأوروبيون ممارسة ترف التميّز عن الأميركيين في ملفات تأثيرهم فيها محدود كمصير التسويات في ساحات المواجهة، حيث الحاجة للمشاركة الأميركية في التسويات تمنحها الشرعية وتمنح عائداتها للدول المعاقَبة من واشنطن وكذلك في القضية الفلسطينيةن فالكلام الأوروبي لا يرتب أفعالاً مباشرة، طالما «إسرائيل» لا تقبل وسيطاً تفاوضياً إلا أميركا وطالما أميركا و«إسرائيل» تريان السلطة الفلسطينية شريكاً غير مناسب، وطالما الطرف العربي الأهم لأوروبا وهو السعودية يقول إن أميركا لا تزال هي القادرة على إدارة التفاوض، لكن الأوروبيين لا يستطيعون ممارسة هذا الترف بالتميّز في التفاهم حول الملف النووي الإيراني.

– التفاهم النووي راهن أمام الخيارات المفصلية، وإن قرّرت واشنطن عدم التصديق والعودة للعقوبات فلن تنفع المناشدات الأوربية لإيران للبقاء تحت مظلة التفاهم، ما لم تلتزم أوروبا بأنها ستتمرّد على نظام العقوبات الأميركي مهما كانت التبعات. وهذا يعني أن على أوروبا أن تبلغ واشنطن بذلك مسبقاً وأن تبلغ طهران بذلك مسبقاً أيضاً. فإن امتنعت واشنطن عن الذهاب إلى المواجهة فسيكون لموقف أوروبا دور أكيد في ذلك، وإن ذهبت واشنطن للمواجهة فسيكون لموقف أوروبا دور أكيد في ذلك ايضاً.

– حاول الأوروبيون تعويض الموقف بالنصح لكل من طهران وواشنطن، فقالوا لواشنطن إن لا مصلحة بالخروج من التفاهم النووي وإن سقوط هذه التسوية يعني إغلاق باب التسويات بالكامل في الملفات كافة. وهذا يعني خطر الذهاب لحرب في أي لحظة، وقالوا لواشنطن أيضاً إن بقاء التفاهم النووي رسالة لكوريا لتشجيعها على الخيار السياسي واتباع النموذج الإيراني، وتشجيعاً لإيران لعدم اتباع النموذج الكوري. وقالوا لطهران إن خروج واشنطن من التفاهم لا يعني سقوطه فهو اتفاقية أممية من جهة مصدقة بقرار من مجلس الأمن، وهو اتفاقية متعددة الأطراف لا يعني خروج طرف منها سقوطها إذا رغب الآخرون ببقائها.

– أجاب الإيرانيون بوضوح أن لجوء واشنطن للعقوبات يجعل السؤال أوروبياً: هل ستحصل إيران على بيان سياسي مندّد بالقرار الأميركي لا يفيدها بشيء، مقابل التزام الشركات والبنوك الأوروبية بالعقوبات الأميركية، وبالتالي فموقف إيران سيتقرر على ضوء الموقف العملي للبنوك والشركات الأوروبية وليس على التصريحات السياسية لوزراء الخارجية، وخلال أيام ستظهر النتائج.

2018-01-12
عدد القراءت (621)