نقاط على الحروف قراءة متأنيّة في بيان الرئيس الحريري

ناصر قنديل

– «إن حالة الإنكار المزمن بدت وكأنها تتخذ من مواقفي ومقترحاتي للحل ذريعة للاستمرار في تعنتها ومناوراتها ورفضها الإصغاء إلى أصوات الناس ومطالبهم المحقة. فعندما أعلن عن استقالة الحكومة تجاوباً مع الناس ولفتح المجال للحلول، أجد من يصرّ أني استقلت لأسباب مجهولة. وعندما يصرّ الناس على محاسبة مَن في السلطة اليوم، وأنا منهم، وتغيير التركيبة الحكومية، وأنا على رأسها، أو بالحد الأدنى تحسين أدائها ومراقبته، يجدون مَن لا يريد إلا التصويب على مَن كانوا في السلطة قبل ثلاثين عاماً. وعندما أعلن للملأ، في السر وفي العلن، أنني لا أرى حلاً للخروج من الأزمة الاقتصادية الحادة إلا بحكومة أخصائيين، وأرشح من أراه مناسباً لتشكيلها، ثم أتبنى الترشيح تلو الآخر لمن من شأنه تشكيل حكومة تكنو – سياسية، أواجه بأنني أتصرف على قاعدة أنا أو لا أحد ثم على قاعدة أنا ولا أحد . علمًا ان كل اللبنانيين يعرفون مَن صاحب هذا الشعار قولًا وممارسة . هذه الفقرة التي توّجت بخلاصة ليس أنا بل أحد آخر شكلت جوهر ما قاله الرئيس سعد الحريري في بيانه بعد شهر على استقالته التي فاجأت الجميع بعد أسبوع على ورقته الإصلاحية التي نامت أسبوعاً في الأدراج قبل الاستقالة.

– ثلاثة محاور تتوزّع عليها المواقف التي تضمنها بيان الحريري، الأول حول تفسير استقالته وعلاقتها بالتجاوب مع مطالب الناس، والثاني علاقة الاستقالة والاستعفاء من الترشح للتكليف بمطالبة الناس بمحاسبة المسؤولين والحريري على رأسهم، والثالث علاقة تبني الحريري للترشيحات لحكومة تكنوسياسية واتهامه بتفخيخها على قاعدة إتهامه بشعار «أنا أو لا أحد». والقراءة المتأنية في أي نص سياسي تقوم على محاولة استكشاف درجة المصداقية فيه، والمصداقية في النصوص هي في انسجام بنيانها المنطقي مع بعضها البعض، وتفسير وتكامل فقراتها في ما بينها، وتساند الوقائع وتسلسلها لتطور تسلسل النص، ومتى تبين العكس سقط النص صريعاً، وصار صاحبه مكشوفاً، وما عاد نصه صالحاً لتفسير خلفيات قراراته، وتصير العودة للقول إن أسبابه مجهولة في الاستقالة أو ما يليها وما سيليها والتي يرفضها الحريري في بيانه، عودة في مكانها، ويصير إنكاره للأسباب المجهولة هو الإنكار.

– أول ما يُطالعنا في تفكيك النص بحثاً عن المصداقية هو التساؤل عن كيفية الجمع بين ترؤس الحريري ورعايته لجلسة حكومية ماراتونية انتهت بالورقة الإصلاحية، كتعبير عن الإصغاء لصوت الناس واعتبار ضغطهم في الشارع مسؤولاً عن توليد قوة الإنجاز في الورقة الإصلاحية، التي سبقها بمهلة 72 ساعة عشية الحراك، قال إنه يمنحها لحلفائه كي يقرّر مواصلة تحمل المسؤولية وفقاً لخطة واضحة للإنقاذ، قال لنا لاحقاً إنها ما تضمنته الورقة الإصلاحية، من جهة، ومن جهة مقابلة، بين ما قاله في البيان إن الاستقالة كانت تلبية لرغبة الشعب، فإن كان الأمر الذي قصده بصوت الشعب هو الاستجابة لدعوة الناس لمحاسبة المسؤولين وهو على رأسهم، فهذا كان واضحاً منذ ما قبل الورقة الإصلاحية، فما هو مبررها إذن، وما هو مبرر المهلة لإقرارها، وما هو مبرر مواصلة الاستعداد للعودة لرئاسة الحكومة بعد الاستقالة، وإن كان المقصد هو رفض الحراك للورقة الإصلاحية فماذا عسى الحكومة تتبنى من قرارات غير الورقة الإصلاحية، وإن هناك إجراءات تستطيعها الحكومة غير التي في الورقة فلم لم تتضمّنها الورقة، إلا إذا فهمنا أن تركيبة حكومة غير الاختصاصيين لم يُتح السير بها، فلماذا كانت مهلة الـ72 ساعة التي سبقت الورقة، والتي صارح الرئيس الحريري اللبنانيين بأنها أدّت نتائجها، وأقرّت الإجراءات التي كان يرى فيها الحل الإنقاذي والإصلاحي؟

منذ بداية الحراك الشعبي كان واضحاً أن ما قاله الشعب مدعاة للتفكير أمام كل مسؤول، وبصورة أخصّ المسؤول عن إدارة دفة الحكومة التي تناط بها إدارة البلاد، والأشدّ خصوصية لكون هذا المسؤول معنياً بمواصلة ورعاية سياسات حكمت البلد ثلاثين عاماً ورسمت مساراً مالياً واقتصادياً انحدارياً، لا يلغيه تحدث هذا المسؤول عن الجهود التي يبذلها والاتصالات التي يجريها والعلاقات التي يسخّرها لتحصيل مزيد من التمويل والديون، لردم فجوة التدفق النقدي في ميزان المدفوعات، ضمن النهج ذاته الذي تولدت الأزمة الشاملة بفعله. والمنطقي أن تفكير هذا المسؤول بكل المسار الماضي والمسار الجديد المفترض ليس انتقائياً ولا استنسابياً، ولا سجالياً ولا كيدياً، والمنطقي أيضاً انه يحمل أجوبة ثابتة حول ما يجب، ومن ضمنه موقعه الواجب للمرحلة الجديدة، ورؤيته للعب دوره، فهل من لبناني استطاع أن يتبين من أربعة مواقف وعد خلالها الرئيس الحريري اللبنانيين بأن يصارحهم، إلى ما آل إليه تفكير الحريري، ورؤيته الجديدة لموقعه ودوره؟ قال مع مهلة الـ 72 ساعة وأعاد مع الورقة الإصلاحية وثلَّث مع الاستقالة وربَّع مع البيان، حديثه عن المصارحة، لكن أحداً لم يفهم هل يملك حلولاً جديدة ويثق بأن التركيبة اللبنانية السياسية قادرة على ملاقاته بها؟ وهل هو باقٍ في سدة المسؤولية بالشروط ذاتها، أم أنه يريد تغيير الشروط، ام أنه يعتقد أن اللبنانيين لا يريدون المسوؤلين وعلى رأسهم رئيس الحكومة المسؤولة؟ غياب الجواب الصريح يرجّح كفة الأسباب المجهولة، يا دولة الرئيس.

– الثلاثون عاماً ليست شتيمة بل واقع، والتذكير بها لا يجب أن يُحرج أو يجرح. فالرئيس فؤاد السنيورة كان يقول دائماً في معرض مساءلته عن إدارته للمالية العامة، أن محاكمته هي محاكمة لسياسات حكومات الرئيس رفيق الحريري، وهذا ليس انتقاصاً من نيات الرئيس رفيق الحريري بخدمة بلده إذا ثبت أن سياساته أدت عكس مراميها. والدول والأمم تراجع مساراتها بعيداً عن مثل هذه العقد، التي تشخصن مصير الدول والأمم فلا تُحسن التقدم. فالتلميح إليها لا ينتقص من قيمة قولها، ولا يجب أن يشكل مشكلة لمن يفترض أن يصارح اللبنانيين بقناعته، أن سياسة الاستدانة وتوسيع البنى التحتية لا تزال هي السايسة الأنسب للبنان، وأن سياسة المصرف المركزي المعتمدة منذ ثلاثين عاماً لا تزال تحظى بمباركة رئيس الحكومة كما كانت تحظى بمباركة الرئيس رفيق الحريري، وعليه عندها أن يغيّر موضوع المصارحة، ويجعله حول السياسات المالية ويقول أعود لرئاسة الحكومة أو أشارك بالتسمية لمن يمثلني في هذا الموقع إذا قبلت السياسات المالية التي يعترض عليها الشارع ويرفضها الحراك الذي رفع شعار فليسقط حكم المصرف، ويخرج القضية من شكليات العتب والحرد والزعل.

– «أنا أو لا أحد» أيضاً ليست شتيمة، بل توصيف، والتلميح لحالة ترشيح رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بأنها تنطبق عليه، لا تنتقص منه ومن مكانته ولا من كونه استحق بحكم موقعه في الزعامة المسيحية وتأييد أكبر كتلة مسيحية أن يكون رئيساً للجمهورية وفقاً للمعادلة التي تولى الرئيس الحريري رئاسة الحكومة على أساسها، «الرئاسات للأوسع تمثيلاً في طوائفهم»، عون أو لا أحد كان عنوان مرحلة الفراغ الرئاسي، وهذا صحيح. فهل نحن مقبلون على فراغ في رئاسة الحكومة تحت عنوان مشابه، والسؤال استفساري وليس اتهامياً. والجواب كان مسبقاً من جميع المعنيين بالمطالبة بعودة الرئيس الحريري، لكن المشكلة كانت في شروطه وليست على شخصه. فالرئيس عون عندما تم التسليم له بحقه برئاسة الجمهورية لم يشترط إخراج الحريري من رئاسة الحكومة كما يشترط الحريري لرئاسة الحكومة إخراج رئيس أكبر كتلة نيابية من الحكومة، وبالتالي أنا أو لا أحد ليست معيبة ولا شتيمة، لكن أنا ولا أحد هي المصيبة والعقيمة.

– السؤال الطبيعي الآن مع بورصة الأسماء وطريقة تسويقها وسحبها، هو هل يريد الرئيس الحريري فعلاً النجاح لسواه كرئيس للحكومة؟ ويكفي القول بمعزل عن الروايات وصحتها، أن اسمين على الأقل هما الوزيران محمد الصفدي وبهيج طبارة ما كانا ليقبلا التداول باسميهما لولا تعهّد الرئيس الحريري لهما بدعمه المطلق وضمانته لدعم رؤساء الحكومات السابقين ودار الفتوى لكل منهما، وأنهما بعدما حصلا على ذلك التعهد اكتشفا عكسه، لأنه لا يمكن القول إن أحداً من الأطراف المعنية الأخرى عرقل تقدم الاسمين، فكيف سقطا فجأة بعدما تقدّما بسرعة؟ السبب مجهول كما هو مجهول سبب الورقة الإصلاحية ومهلة الـ 72 ساعة ومن ثم الاستقالة، وبيان الاستنكاف، ومن مجهول إلى مجهول، مصارحة لا تصارح إلى مصارحة تنتظر مصارحة، إلى محرقة أسماء، حتى تدقّ ساعة عودة الرئيس الحريري التي لا يعارضها أحد ولا تحتاج معركة لفرضها، إلا إذا كان للتوقيت حسابات تعتمد على تقويم ساعات لا نعلمها ولم يحن أوانها بعد، وعلينا الانتظار في لعبة أو في علبة أو في الشارع؟

2019-11-27
عدد القراءت (1669)